|
يحدثكم عنها:
|
|
أيام فى بلاد النور..
|
|
هل تعتبر فرنسا مجرد دولة غربية كالدول الأخرى أم أنها تتميز بمكانة معنوية وثقافية خاصة؟.. وكيف ينظر المثقفون فى العالم الى فرنسا وماذا يتوقعون منها..؟… كانت هذه الأسئلة التى طرحها على المذيع الفرنسى المعروف فريدريك تادى يوم الاثنين الماضى.. عندما استضافنى فى برنامجه يحدث هذا المساء أو لن يحدث أبدا.. وهو برنامج شهير فى فرنسا يشاهده على الأقل أسبوعيا مليون فرنسى. استضاف البرنامج معى روائيين من فرنسا والصين وألمانيا وهايتى… أجابوا جميعا عن الأسئلة ولما حان دورى قلت: ان فرنسا لها تاريخ استعمارى كبقية الدول الغربية.. لكنها أيضا تحمل تراثا عظيما من الثقافة والفن و حقوق الانسان والحريات العامة.. كل ذلك يمنحها مكانة مختلفة عن بقية الدول الغربية. وهذا يجعلنا نتوقع منها أن تقف دائما مع الحق والحرية… فوجئت بالكاتبة الألمانية واسمها جيلا لوتيجر تقاطعنى بحدة: إنكم فى العالم العربى كثيرا ما تسيئون فهم سياسات الدول الكبرى.. فالولايات المتحدة مثلا تسعى بكل قوتها الى تطبيق الديمقراطية عندكم لكنكم لا تساعدونها.. نحن الألمان سنظل مدينين للأمريكيين بالتخلص من النازية.. لقد أنقذت أمريكا أوروبا كلها فى الحرب العالمية الثانية.. وهى تسعى لانقاذكم أيضا لكنكم لا تفهمون واشتبكت مع الكاتبة الألمانية فى نقاش حاد عن الجرائم التى ارتكبتها السياسة الخارجية الأمريكية فى العالم العربى وأمريكا اللاتينية.. ضربت لها مثلا بالانقلاب البشع الذى دبرته المخابرات الأمريكية للاطاحة بالرئيس المنتخب سيلفادور الليندى فى شيلى لمجرد أنه فكر فى تأميم مناجم النحاس عام 73.. وفى النهاية قلت لها: ان هذه الجرائم قد اعترف بها الأمريكان أنفسهم والغريب أنك تدافعين عن أمريكا أكثر من المسئولين الأمريكيين أنفسهم. بعد ذلك عرض علينا المذيع جزءا من خطبة الرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى، كان يخطب بحماس وسط تصفيق حاد من مؤيديه.. تكلم عن ضرورة المحافظة على الهوية الفرنسية واستبعاد المجتمعات المغلقة التى تعيش فى فرنسا.. تضاربت آراء الكتاب عن كلام ساركوزى حتى جاء دورى فقلت: ان طرح الهوية الفرنسية بهذه الطريقة مفهوم خطر لأنه يؤدى الى العنصرية.. ان الهوية الفرنسية فى رأيى يجب أن تستند الى البعد الثقافى وليس العرقى.. فرنسا يجب أن تتسع لكل من يعيش على أرضها حتى وان اختلفت ثقافته أو دينه.. ساد سكون فى الاستديو واستطردت قائلا: إننى أسمح لنفسى بأن أسأل السيد الرئيس ساركوزى… هل يمكن للفرنسى فى مفهومك أن يكون أسود اللون أو عربى الأصل؟.. أم أن كلامك يعكس رغبتك فى أن تكون فرنسا دولة المواطنين البيض فقط..؟
1 انتهى البرنامج فى ساعة متأخرة وعدت الى الفندق وبدأت تراودنى وساوس.. هل كان من اللائق وأنا كاتب عربى ضيف على فرنسا أن أوجه نقدا بهذه الحدة لرئيس الجمهورية الفرنسية المنتخب؟.. لقد اتهمته بالتفكير العنصرى أمام مليون مشاهد.. ألا يستاء الفرنسيون من ذلك الكاتب العربى الذى ينتقد رئيسهم؟.. ثم انتابنى خاطر ساخر وأنا أتخيل أى ضيف فى التليفزيون المصرى الحكومى اذا حاول أن ينتقد ما يقوله الرئيس مبارك.. ماذا سيكون رد فعل المذيعين من عينة تامر بسيونى وجمال الشاعر الذين يعتبرون أن واجبهم الأول التسبيح بحمد الرئيس وأسرته فى النهاية قلت لنفسى لن أندم.. لقد قلت ما أعتقد أنه صواب وليكن ما يكون.. على أن المفاجأة كانت تنتظرونى فخلال أسبوع قضيته فى فرنسا انتقلت فيه الى عدة مدن، أكاد أكون لم ألتق شخصا فرنسيا الا وقال انه شاهدنى فى برنامج فريدريك تادى.. وهنأنى بحرارة وأكد لى أنه يشاركنى فى رأيى عن خطاب ساركوزى.. قد يسأل سائل اذا كان الرأى العام ضد ساركوزى بهذا الشكل.. فكيف فاز فى الانتخابات؟… الاجابة أنه كسب بفارق ضئيل جدا.. أى أن نصف الفرنسيين لا يوافقون على أفكاره.. وثانيا أننى كنت أتحرك فى أوساط الأدباء وهؤلاء بطبيعتهم يساريون رافضون العنصرية. لكن ما يستوقفنى هنا الى أى مدى صارت حرية التعبير راسخة فى فرنسا.. فأنت تنتقد رئيس الدولة على تليفزيون الحكومة الفرنسية وتتهم أفكاره بالعنصرية فلا يشوش عليك المذيع ولا يقطع عليك الارسال ولا يتهمك أحد بالاساءة الى ذات الرئيس أو الانتقاص من مكانته وهيبته.. الى آخر هذا الكلام الفارغ الذى يغطى به النظام المصرى ظلمه واستبداده وفساده.
2 فى الصباح تركت باريس الى مدينة ليون حيث كنت مدعوا للمشاركة فى مهرجان المدينة الأدبى واسمه فيللا جيليه.. عقدت ندوة فى الصباح ناقشت فيها مع الحضور رواية عمارة يعقوبيان وروايتى الأخيرة شيكاجو التى ستصدر بالفرنسية فى أكتوبر المقبل باذن الله.. وفى المساء اشتركت فى ندوة عن الرواية كمرآة للمجتمع.. شارك فى الندوة معى روائيون من فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة وأدارتها الصحفية الفرنسية فلورنس نوافيل من جريدة لوموند ومعها الصحفية المصرية اللامعة ماجدة الجندى التى أدارت الندوة بشكل مهنى راق و مشرف. وفى اليوم التالى نظمت لى ادارة المهرجان لقاء مع أطفال المدارس فى ضواحى ليون.. هذه المنطقة فقيرة ومنعزلة يعيش فيها الفرنسيون من أصل عربى.. بمجرد دخولك الى الضواحى ستشعر بجو من التوتر جاثم على الناس.. هنا بدأت الاضطرابات والحرائق ردا على تصريح نيكولا ساركوزى: لابد من كنس هذه القمامة فى اشارة الى المهاجرين العرب… المدرسة حكومية مجانية يبدو كل شيء فيها متواضعا. وجوه الأطفال وأسماؤهم عربية لكنهم فرنسيون.. طلب المدرس من الأطفال أن يكتبوا موضوع انشاء يتخيلون فيه عمارة سكنية على نسق عمارة يعقوبيان.. طفلة جميلة اسمها ليلى.. كتبت عن مشكلة أفراد أسرة لايستطيعون الخروج من المنزل لأنهم بلا أوراق ويخافون أن يقبض البوليس عليهم ويطردهم من فرنسا.. لاحظت أن الأطفال فى موضوعاتهم قد تخيلوا سكان العمارة من الفقراء والأغنياء.. سألتهم: هل تعتقدون أن الأغنياء يقبلون السكن مع الفقراء؟ هتف طفل من آخر الفصل: الأغنياء يرفضون أن يعيشوا معنا لأنهم بيض عنصريون. هكذا تترسب مشكلة المهاجرين فى فرنسا حتى فى نفسية التلاميذ. ودعنى الأطفال بحرارة مست قلبى.. اقترب منى أحدهم همس بالفرنسية: هل تقرأ القرآن..؟ قلت: نعم فانبسط وجهه وصاح بلغة عربية مكسورة وهو يركض بعيدا: بارك الله فيك.
3 فى اليوم التالى عقدت ندوة فى مدينة جرونوبل، ورغم الأمطار الغزيرة امتلأ المكان عن آخره بمحبى الأدب. المكتبات والمراكز الثقافية فى فرنسا منتشرة كالخلايا العصبية فى كل مكان. والفرنسى مهما يكن فقيرا أو مهنته بسيطة يعتبر القراءة جزءا أساسيا من حياته. قراء الأدب فى فرنسا أكثر عددا منهم فى أى بلد أوروبى آخر. ختمت الرحلة بزيارة مونتون وهى مدينة صغيرة جميلة تقع على شاطئ المتوسط.. حيث عقدت ندوة فى معهد العلوم السياسية الذى يشرف عليه المستشرق جيل كيبل والأستاذة المصرية كاترين فرحى. كان مستوى الطلبة مميزا ومداخلاتهم ذكية. على أن رحلتى السعيدة لم تخل من منغصات. فما أن وصلت الى مطار نيس قادما بالطائرة من ليون.. وبينما أخرج من المطار مع عشرات الركاب هرع نحوى ضابط شرطة فرنسى وطلب منى جواز السفر بمنتهى الغطرسة والوقاحة وبدأ فى توجيه وابل من الأسئلة وكأنه ضبطنى متلبسا بجريمة ما: من أنت؟ ماذا تفعل..؟ من أين أتيت؟.. وجدتنى أصيح بصوت مرتفع: ان ما تفعله غير قانونى.. لن أجيب على أسئلتك.. لديك جواز سفرى واذا كنت مخالفا للقانون اتخذ ضدى أى اجراء. كان واضحا أنه عنصرى معاد للعرب.. أعاد الى جواز السفر لكننى لم أنصرف.. ظللت واقفا فى مواجهته تماما. رحنا على مدى دقيقة كاملة نتبادل النظرات النارية. لم أكن لأقبل ان أخفض نظرى أمامه.. لم أكن خائفا.. كنت أعرف أن القانون الفرنسى يحمينى وأن الأمر لو تطور سيكون هو الخاسر لأنه أساء استعمال السلطة.. ظللت أنظر فى عينيه حتى أطرق فى النهاية وقال بصوت حاول أن يكون وديا: تفضل.. يمكن لحضرتك أن تنصرف. سألت نفسى.. هل كنت أستطيع أن أفعل نفس الشيء مع ضابط مصرى اذا أساء معاملتى..؟… الضابط فى مصر أعطاه النظام السلطة المطلقة فى ايذاء البشر بدءا من صفعهم وحتى تعذيبهم وهتك أعراض زوجاتهم.. أما الضابط الفرنسى اذا كان عنصريا فان القانون يحكم تصرفاته.
4 .. دائما نصل الى السؤال: اننا على المستوى الشخصى لسنا أقل من الغربيين فلماذا يتقدمون كل يوم ونتأخر نحن..؟ الاجابة فى كلمة واحدة: الديمقراطية.. ليست فرنسا جنة الله على الأرض وليس الفرنسيون ملائكة. فلديهم مشكلات كبرى مثل الفقر والعنصرية واضطهاد المهاجرين.. لكن الديمقراطية تمكنهم من اصلاح الأخطاء أولا بأول وتدفع الدولة الى احترام آدمية المواطن. بينما نظامنا الاستبدادى مسخر بالكامل لخدمة الرئيس وأسرته والطبقة الحاكمة. الى متى يظل هؤلاء جاثمين على صدر مصر؟!
|
| |
د. علاء الأسوانى
http://www.al-araby.com/articles/1062/070610-1062-lst01.htm